وهبة الزحيلي

222

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

قوله : هَلْ مِنْ خالِقٍ . . . يَرْزُقُكُمْ . . . للتقرير ، أي لا خالق رازق غيره فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ فكيف تصرفون عن توحيد الخالق ، مع إقراركم بأنه الخالق الرازق . وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ يا محمد في دعوتك إلى التوحيد والبعث والحساب والعقاب فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ في ذلك ، فاصبر كما صبروا . وفي هذا دعوة له للتأسي بمن قبله من الأنبياء ، وتسلية عن تكذيب كفار العرب له وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ أي المصير النهائي المحتوم إلى اللّه ، فيجازي كلا بما يستحقه ، يجازي المكذبين ، وينصر المرسلين . التفسير والبيان : الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي للّه الشكر الخالص على نعمه وقدرته ، فإنه خلق السماوات والأرض وأبدعهما ، لا على مثال سابق ، وأحكم نظامهما . فموضوع الآية : أن اللّه تعالى يحمد نفسه على عظيم قدرته وعلمه وحكمته التي يشهد عليها ابتداء خلق السماوات والأرض من العدم ، واختراعهما على غير مثال ، قال سفيان الثوري بسنده عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : « كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض ، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر ، فقال أحدهما لصاحبه : هذه بئري وأنا فطرتها » أي بدأتها . والمقصود من هذا أن من قدر على ابتداء هذا الخلق العظيم ، فهو قادر على الإعادة . جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ أي إنه تعالى جاعل الملائكة وسائط بينه وبين أنبيائه لتبليغ رسالاته وغير ذلك ، وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ، وهم ذوو أجنحة متعددة ، بعضهم له جناحان ، وبعضهم له ثلاثة ، وبعضهم له أربعة ، وبعضهم له أكثر من ذلك ، ينزلون بها من السماء إلى الأرض ، ويعرجون بها من الأرض إلى السماء . جاء في الحديث الصحيح عن مسلم عن ابن مسعود « أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رأى جبريل عليه السلام ، وله ستّ مائة جناح ، بين كل جناحين ، كما بين المشرق والمغرب » . ولهذا قال جلّ وعلا :